تاريخ مستغانم مع الإحتلال الفرنسي 1830-1833

اذهب الى الأسفل

تاريخ مستغانم مع الإحتلال الفرنسي 1830-1833

مُساهمة من طرف Admin في الخميس يناير 30, 2014 2:43 pm


تاريخ مستغانم مع الإحتلال الفرنسي 1830-1833
history‏  mostaganem occupation  francaise  1830-1833


مدينة في أزمة : مستغانم في مواجهة الإحتلال الفرنسي 1830-1833



. مستغانم قبيل الغزو الفرنسي : خصائص التراتب الإجتماعي 1.1. المدينة وسكانها : مخطط عمراني يخضع لتقسيم إثني 
1.1.1. مركز المدينة : البلدة
1.1.2. المطمر
1.1.3. تجديت والعرصة : أطراف المدينة
1.1.4. المرسى 
1.2. الحوز
1.3. خصائص التراتب الاجتماعي في المدينة : "الجاه مفيد للمال"
1.3.1. الأتراك والكراغلة 
1.3.2. الجالية اليهودية
1.3.3. الارستقراطية الحضرية 
1.3.4. البرانية 
2. الريف والتراتب الاجتماعي 
3. مستغانم في مواجهة الإحتلال الفرنسي 1830-1833
1.3. مستغانم فيما بين 1830 و1831 
2.3. مستغانم فيما بين 1832 و1833




إن الأحداث التي سنتعرض لها هي التي شهدتها مستغانم و أحوازها. فتفسيرها لا يتحقق إلا إذا حللنا البنية الأثنية – الإجتماعية التي كانت تميز المدن الجزائرية قبيل الإحتلال الفرنسي. تندرج هذه المعالجة ضمن مقاربة تؤلف بين مفهومي البنية والحدث و نسعى من هذا التوليف إلى تعبير عن رفضنا للموقف الذي يتخذ الحدث كمعطى مسبقا يحدد لوحده الفعل التاريخي و نتائجه. نتبنى في مقابل هذا الموقف نظرة تشكل ضمنها البنية شروط وجود الحدث، ذلك أن الإنسان يصنع التاريخ في ظل ظروف ليست دائما من اختياره. 2إننا نعلم أن فئات إجتماعية كاملة أحجمت عن مقاومة الإحتلال الفرنسي (الكراغلة و الأتراك في المدن)، بل حاربت إلى جانب الجيش الفرنسي دفاعا عن مصالحها السياسية وامتيازاتها الإجتماعية و الإقتصادية. هل هي "خيانة في حق الوطن" كما يؤكده الخطاب التاريخي الرسمي ؟ أم هو سلوك أملته ذهنية عامة كانت تميز هذه الفئة الإجتماعية؟ 
1 م. الأشرف.- الجزائر : الأمة والمجتمع (ترجمة ح. بن عيسى). – ص.224. (...)
3يميز مصطفى الأشرف بين مواقف الكراغلة و الأتراك فيعتبره "خيانة" و بين موقف "الحضر" الذي كان في نظره – صادرا عن شعور وطني صادق، إذ يقول : "إن الشعور الوطني الذي كان يختلج في نفوس الحضر شعور صادق .. ما في ذلك شك .. ولم يكن الشعور المدني عندهم أقل نماء من الشعور القومي"1 والواقع أن الحقائق التاريخية كانت أكثر تعقيدا مما تصوره مصطفى الأشرف. فالتحليل الإجتماعي الذي يفترض دراسة التراتب الإجتماعي و خصائصه في المدن الجزائرية، بقصد توضيح مواقف الفئات الإجتماعية المختلفة من الإحتلال هو في نظرنا الأداة الكفيلة بتفسير الأحداث السياسية. إن واقع هذه الفئات الإجتماعية على اختلافها ومواقعها الإجتماعية و الإقتصادية هي التي حددت مواقفها السياسية. 


4إننا اليوم، و نحن ندعو إلى إعادة النظر في كتابة تاريخنا الوطني، يجب علينا أن نتزود بالمناهج الحديثة و بالمقاربات الجادة لدراسة هذا التاريخ، دراسة تستهدف استخلاص أبعاده السياسية و الإجتماعية. و إلا ظلت رؤيتنا إلى التاريخ الوطني قاصرة، لا تتجاوز التزويق والمجاملة بعيدة عن التاريخ بمفهومه العلمي والحديث. 


1. مستغانم قبيل الغزو الفرنسي : خصائص التراتب الإجتماعي 


2 حسب تقرير الضابط الفرنسي بيليون - Pellion- كان عدد سكانها 15000 نسمة خلال القرن 18، ثم انخفض هذا ال (...)
5تقع مدينة مستغانم على الساحل المتوسطي، شرق مدينة وهران، وتبعد عن هذه الأخيرة بحوالي 80 كلم. خلال القرن الثامن عشر، كانت أهم مركز لبايليك الغرب بعد تلمسان. يعود ذلك إلى دور الأندلسيين الذين قدموا إليها خلال القرنين السادس والسابع عشر، فارتفع عدد سكانها إلى 15000 نسمة2 ونمت نشاطاتها التجارية والحرفية وانتعشت الفلاحة بحوزها. 


6تشرف المدينة على منطقة خصبة تسقيها مياه وادي عين الصفراء ونهر الشلف الذي يصب في البحر شرقا. إضافة إلى ذلك، كانت منفذا تجاريا لمنتوجات المناطق السهلية و التلية المجاورة مثل "مينا" و "الشلف" وتيارت نحو الخارج. في مطلع القرن التاسع عشر، شهدت المدينة ركودا عاما، فتقلص عدد سكانها وتراجعت نشاطاتها التجارية والحرفية.


1.1. المدينة وسكانها : مخطط عمراني يخضع لتقسيم إثني 


7يجد التراتب الإجتماعي في مستغانم مفهومه في مخطط المدينة إذ أن تنظيم المجال العمراني أملته - عموما- تقسيمات إثنية بالدرجة الأولى. هكذا توزعت أحياء المدينة إلى أربعة أقسام وفق منطق إثنى كرس تفاوتا اجتماعيا مميزا. 

1.1.1. مركز المدينة : البلدة


8تتكون نواة البلدة من المسجد الكبير والسوق المركزي والحمامات الرئيسية ودار القايد (القصبة). وحولها تقع محلات التجار ودروب الحرفيين. وفي دائرة ثانية، تمتد مساكن الأتراك و الكراغلة والجالية اليهودية. 
9في هذا الحي، توجد أهم الصنائع التي اشتهرت بها المدينة حسب ترتيب يراعي الضرورات الايكولوجية. ومنها الحرف النبيلة كالحلي والمجوهرات ثم العطور والنسيج والأحذية التي تتسم كلها بقلة تلويثها للمحيط. 
10تتضمن البلدة المعالم الرئيسية للمدينة : مسجد سيدي يحيى (الكائن بنهج عبد اللّه سابقا) : بني في العهد العثماني. 
3 تيرو – المرجع السابق.- ص. 116.
11الجامع الكبير حيث تقام خطبة الجمعة (الكائن بنهج البايليك) يعود تأسيسه إلى السلطان المريني "علي بن سعيد"الذي أمر ببنائه سنة 1341م. إنه أقدم مسجد بالمدينة، أغلقه الجيش الفرنسي في وجه المصلين على إثر الإحتلال ولم يفتح من جديد إلا سنة 18653. 


12ضريح سيدي "بوعجاج" وهو ولي صالح عاش إلى بداية الإحتلال الفرنسي ومسجده الذي بناه الأعيان (باب البحر). 
4 لواليش فتيحة . – الحياة الحضرية في بايليك الغرب. – رسالة جامعية.- جامعة الجزائر، سنة 1994.- ص. 94. (...)
13المنازل الجميلة التي بناها أشخاص بارزين مثل المنزل الذي شيده "حميدة العبد" قائد الأمحال (قريب من الطبانة) والقصر الذي أقامه الباي محمد الكبير لقضاء العطلة4.


5 يعود تقرير هذا الضابط إلى سنة 1835... أنظر بودان – التقاليد الأهلية حول مستغانم.- ص. ص.17-50. لا يذ (...)
14يقدر النقيب تارتارو5 (Tartareau) عدد الأتراك و الكراغلة بين 1800 و2000 نسمة. ارتفع هذا العدد قليلا، حين وفدت بعض العائلات التركية إلى المدينة سنة 1831 من وهران التي استولى عليها الجيش الفرنسي. 


15أما الجالية اليهودية التي كانت تقطن بدرب خاص بها (درب اليهود القريب من دار القايد) فتقدرها المصادر بحوالي 500 نسمة. 
6 كانت قبيلة "الأمحال" تضرب رحالها في إقليم "سيرات" حسب الشيخ أبوراس الناصر. (...)
16يحيط بالبلدة سور مرتفع يحتوي على أبراج للمراقبة أهمها برج "الأمحال" الذي يتوسطه (مكان السجن المدني). لقد شيده الباي مصطفى الأحمر سنة 1748 و يتصل بالخارج بخمسة أبواب : باب الشلف شمالا وباب أرزيو وباب البحر غربا وباب مجاهر شرقا وباب معسكر جنوبا. يعود بناء برج "الأمحال" إلى قائد هذه القبيلة المخزنية : حميدة العبد الذي أشرف على مستغانم في أواخر العصر الزياني6. 


1.1.2. المطمر


17تشكل البلدة و المطمر مدينتين واضحتي المعالم حيث كان لكل منهما سوره، ويفصل بينهما وادي عين الصفراء الذي يخترق مستغانم طولا. تقع البلدة على الضفة الشرقية للوادي بينما يقع "المطمر" على الضفة الغربية في أعالي المدينة. 
7 بودان .- المرجع السابق.- ص. 51.
18يسكن الحي "الحضر" الذين يتكونون من أصول أندلسية أو عناصر ريفية سابقة صقلتها سنين التحضر. يتراوح عددهم بين 2000 و3000 نسمة حسب تقديرات ضباط الجيش الفرنسي7.


19تعود تسمية الحي إلى مخازن الحبوب التي بناها قايد الأمحال "حميدة العبد" في أعالي مستغانم. 
20توجد بالمطمر بعض المعالم مثل أضرحة البايات الثلاثة الذين ينتمون إلى الأسرة المسراتية : مصطفى بوشلاغم و إبنه يوسف ومصطفى الأحمر. وقد اتخذ الباي بوشلاغم مدينة مستغانم عاصمة له لفترة قصيرة (1732- 1738) و بها أضرحة بعض الأولياء الصالحين مثل حمادوش وسيدي عبد اللّه بوقبرين. 
8 قصر فنسان. – وثائق 1H11 و 1H12.
21يحيط بالحي سور يعلوه "برج الأتراك" الذي نجهل تاريخ بنائه. تقدر مساحته بــ 30 م2 و به مخازن واسعة وبئر صالح للشرب و 18 مدفعا. استمر في الاستعمال إلى سنة 1911 حيث تحول إلى مخازن عسكرية8. 

1.1.3. تجديت والعرصة : أطراف المدينة


22خروجا من المطمر عن طريق باب مجاهر نصل إلى حي "تجديت" (دار الجديد) يسمى الطريق المؤدي إليه "قادوس المداحين" حيث تتجمع المياه عند الوادي الذي يسقى هذا الحي. وكان هذا المكان ملتقى "المداحين" والشعراء في مواسم الفرح والأعياد. 
23به توجد الحرف الملوثة كالذباغة ومعاصر الزيت ولوازم الحيوانات والأواني الفخارية... 
24يقع "تجديت" شمال المدينة ويقطنه "العرب" أي العناصر التي انتقلت من الريف للعمل في مطاحن الحبوب و ورشات الذباغة وبعض الأشغال المتواضعة. يعرف هذا الحي ببناءاته البسيطة وطرقه الضيقة الملتوية. تعرض للتخريب من قبل القايد "إبراهيم بوشناق" حين التحق سكانه بالمقاومة سنة 1831. 
9 أنظر تيرو. – المرجع السابق. – ص. 13 وبودان. – ص. 71.
25فيه، يوجد مقام سيدي عبد القادر الجيلاني ومسجد "مول النخلة" وضريح إبراهيم بن عثمان حفيد الباي محمد الكبير9. 


26أما "العرصة" – سابقا الجديدة – وسماها الفرنسيون "قرية الليمون" فكانت حيا جميلا تحيط به غابة من أشجار الفواكه، يقع جنوب المدينة. تعرض للتخريب من قبل الجيش الفرنسي أولا ثم أقام فيه فرسان "المخزن" بقيادة الأغا محمد المزري الذي دخل في خدمة القايد "بوشناق" في أواخر سنة 1835. 
27تقدر المصادر عدد سكان الحي بحوالي 1000 نسمة قبل تخريبها. 

1.1.4. المرسى 


28قبل تحرير وهران من الوجود الإسباني سنة 1792، كان ميناء مستغانم مركزا هاما لتجارة الغرب الجزائري، لكن نشاطه تقلص وتحول جزء من هذا النشاط إلى وهران التي أصبحت عاصمة البايليك. 
10 تبعد مستغانم عن أرزيو بحوالي 8 أميال
29 خلال 1830، كانت منشآت الميناء بسيطة كما أصبح غير صالح لرسو السفن الكبيرة. ويعود ذلك إلى كثرة الرمال به وتعرضه للرياح والزوابع في مواسم الشتاء. لذلك، فضل تجار المدينة تسويق منتوجاتهم (حبوب، بقر وخيول وغيرها) عبر ميناء أرزيو القريب10. 

1.2. الحوز


30لا يمكن فصل المدينة عن حوزها. فالحرف التي اشتهرت بها المدينة مرتبطة بموارد الحوز وإنتاجه. وفي الحوز، توجد أملاك الفئات الإجتماعية الميسورة. فمزارع الكراغلة تقع في الإقليم الممتد بين مستغانم و أرزيو وتنتج عموما الفواكه والحبوب. أما مزارع "الحضر" فتمتد على أودية نهر الشلف و الربوات المطلة عليه (ربوات الحشم) وإقليم مزغران وتنتج الحبوب والكروم والزيتون واللوز والليمون والحناء. 
31تعود تنمية الحوز إلى جهود الأندلسيين الذين أدخلوا زراعة القطن إلى المنطقة منذ القرن السادس عشر وطوروا بعض الزراعات (أشجار الفواكه والزيتون) وأساليبها وأشتهر إقليم مستغانم بتربية المواشي والخيول التي كانت تعتبر أجود ما أنتجه الغرب الجزائري. إضافة إلى ذلك، كان الإقليم يحتوي على غابات هامة ومصادر مائية معتبرة. 
11 بودان. – المرجع السابق. – ص. 125.
32خارج المدينة، تقع مطاحن الحبوب، تدار بالطاقة المائية (وادي عين الصفراء) كانت سابقا تكفي لسد حاجات المدينة و أحوازها لكنها عرفت نوعا من الإهمال لأن أربعا منها كانت تشتغل سنة 183011. 


33كانت هذه المطاحن ملكا للبايليك تشتغل بواسطة يد عاملة أجيرة وهي تحت احتكار القايد مباشرة. 

1.3. خصائص التراتب الاجتماعي في المدينة : "الجاه مفيد للمال"


34يتعذر فهم التراتب الاجتماعي في مستغانم على أساس الثروة وحدها لوجود أسباب أخرى مرتبطة بالنفوذ السياسي عموما. وهذا النفوذ السياسي سماه ابن خلدون الجاه. فالوظيفة السياسية تؤثر على الثروة الاقتصادية وكذلك على الموقع الاجتماعي. 

1.3.1. الأتراك والكراغلة 


35توصلت هذه الفئة إلى تكوين ملكيات عقارية وثروة مالية هامة جمعتها باستغلال نفوذها السياسي. تحتكر الوظائف السامية كالقيادة والإدارة والجيش والشرطة. لذلك تمكنت من احتلال قمة الهرم الاجتماعي. 
12 تؤكد لواليش فتيحة في رسالتها : أن 80 % من أملاك الوقف كانت في حوزة عائلات البايليك (أسرة المسراتي و (...)
36تشير سجلات المحاكم الشرعية12 إلى أن نسبة 80 % من الأملاك العقارية داخل المدينة وفي الحوز التي كانت ملكا للعائلات التي احتكرت الوظائف السياسية على اختلاف أنواعها. 


13 وثائق ولاية وهران : تقرير عن مستغانم بتاريخ 17 جانفي 1834 تحت رقم 2263. (...)
37ونستنتج من دراستنا للتقرير الذي وضعته الإدارة الفرنسية في جانفي 183413 أن الأتراك كانوا يجمعون بين "القيادة" العسكرية والإدارية والتجارة والريع. ومن الأسر التركية الشهيرة : أسرة القايد بوشناق، أسرة عثمان، أسرة الحاج حسين وأسرة باكير (خلافة)، وأسر أخرى مثل قارة، و قارمان و علي بلهوان و كريتلي. 


38أما الكراغلة، فكانوا يجمعون بين الوظائف والثروة الإقتصادية كالتجارة والملكية الزراعية. فقد لاحظنا أن أملاكهم كانت تمتد بين مستغانم و أرزيو وتنتج الحبوب والفواكه. ومنهم أسرة قرطابة (تجارة) وأسرة بلهواري وأسرة ابن علي (تجارة وفلاحة) وأسرة مير– علي وفرع من أسرة ابن عليوة (فلاحة) وأسرة حسين رايس (حرفة). 
39تجمع هذه الشريحة الاجتماعية بين النفوذ والثروة. إنها تنظر إلى بقية الشرائح الاجتماعية على أنها أقل شأنا منها. تسكن في أحياء خاصة بها وتعتقد أن "عرقيتها" تدفعها إلى المعالاة وعدم مخالطة بقية السكان. 
40بينها وبين الارستقراطية الحضرية علاقات تتسم بالعداوة الناجمة عن التناقضات الاجتماعية والسياسية. 
41عند الاحتلال الفرنسي لمدينة وهران خاصة واندلاع المقاومة في الأرياف، طفت العداوات السابقة بين سكان الريف وسكان المدن، وبرزت الخلافات بين "الحضر" و الكراغلة وحال ذلك دون توحيد الصفوف في وجه الاستعمار. 
14 على إثر استيلاء الجيش الفرنسي على مستغانم، أجبر عدد هام من الأتراك والكراغلة، إلى الهجرة إلى تونس ب (...)
42رفض الأتراك والكراغلة الذين كانوا يستأثرون بالوظائف السامية والثروة الإقتصادية الالتحاق بالمقاومة المناهضة لاستعمار. لقد كانوا يعتبرون أنفسهم أعلى مرتبة وأعظم شأنا من الرعايا. فذهنيتهم تملي عليهم عدم النزول إلى درجة التحالف مع سكان الريف والإعتراف بالقيادات الريفية الجديدة التي تزعمت المقاومة. إن حرصهم على مصالحهم السابقة دفعهم إلى الانحياز إلى الجيش الفرنسي والدخول في خدمته كما حملهم تخوفهم من المقاومة إلى التوهم بأن تعاونهم مع الإدارة العسكرية الفرنسية سيؤدي إلى تعزيز نفوذهم السياسي والمحافظة على امتيازاتهم الاجتماعية14. فقد تصوروا أنّ الجيش الفرنسي سيعيد لهم الاعتبار ريثما ينتهي من قمع حركة الانتفاض وإعادة الاستقرار إلى البلاد. 

1.3.2. الجالية اليهودية


43لا تشكل الجالية اليهودية فئة اجتماعية منسجمة إذ أنها تتألف من : 
15 ذكرته لواليش فتيحة في رسالة ماجستير.- ص. 53.
تجار و وسطاء يملكون رؤوس أموال ومتاجر هامة بدرب اليهود والشارع الكبير. يعود أصلهم إلى مدينة ليفورنة الايطالية حسب نوربيت بلانج15 تخصصوا في التجارة الخارجية والقروض. كانوا قريبين من السلطة التركية. 
حرفيين وتجار صغار يشتغلون في "صناعة الحلي والمجوهرات" يستأجرون الحوانيت والدور من الأعيان اليهود وغيرهم.
16 المرجع السابق رقم 2263.
عمال بسطاء منهم : الحمالون (العتالة) إذ تؤكد وثيقة أن 36 من أصل 48 حمالا بمستغانم "كانوا يهودا يتقدمهم أمين المهنة شالوم ربوك"16. 
44منذ نهاية القرن الثامن عشر، انخفض عددهم باستمرار بسبب تدهور التجارة الخارجية والحرف في المدينة. خلال القرن 18، كان عددهم يقدر بحوالي 1000 نسمة فانخفض إلى النصف ثم زاد في الإنخفاض فيما بين 1830-1833 حسب تقديرات الجيش الفرنسي. 
45لم يعارض يهود مستغانم الاحتلال الفرنسي، بل كان موقفهم يتجه إلى تشجيعه ويعود ذلك إلى : 
وضعيتهم كأقلية دينية (أهل الكتاب) تحتاج إلى من يكفل أمنها. فقد تبين لها أن السلطة التركية أصبحت غير قادرة على ذلك بسبب الأزمة التي شهدتها الجزائر سنة 1830. لذلك مالت عموما نحو الجيش الفرنسي الذي أصبح حليفها الجديد. وقد شجعتها مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع يهود فرنسا إلى اتخاذ هذا الموقف.

1.3.3. الارستقراطية الحضرية 


46يمارس "الحضر" التجارة – خاصة تجارة الحبوب- والحرف المتنوعة والفلاحة في الحوز وكذلك بعض الوظائف الدينية مثل التعليم والقضاء. 
17 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1838.
47اشتهرت عائلات أندلسية بصناعة النسيج و الزرابي والحياك والأغطية والغليون الذي كان يوزع في أقاليم البايليك17. 


48كان على رأس كل حرفة أمين يعينه القائد، فكانت وظيفته مزدوجة، يشرف على الحرفة وأصولها إذ كان يراقب جودة الإنتاج ويعاقب محاولات الغش و يبت في المنازعات بين الحرفيين و الزبناء ويسهر على أسس الارتقاء في المهنة وفي نفس الوقت، كان يجمع الضرائب لصالح القايد ويعمل على تنفيذ أوامره واشتهرت عائلات أخرى مثل السنوسي وابن عبد الله وابن حواء بإشرافها على الوظائف الدينية والثقافية. وامتلكت عائلات عريقة مثل "ابن عليوة" و "ابن صبران" و "ابن نابي" عقارات هامة في المدينة و الحوز كانت تدرّ عليها أموالا معتبرة. 
49إن هذه العائلات التي جمعت بين النفوذ الديني والثراء الاقتصادي هي التي كانت تشكل الارستقراطية الحضرية تتقدم عامة المدينة. 
50تميز موقف "الحضر" من الاحتلال والمقاومة بالتردد. في البداية، قرروا الدفاع عن المدينة من غارات البدو ومن أجل ذلك، اتحدوا مع الكراغلة والأتراك رغم العداوة التقليدية بينهم. 
51يعود ذلك التردد إلى الخلاف القائم بين المدينة والريف، إذ ينظر سكان المدن إلى البدو على أنهم "مصدر القلق والعصيان" : يميلون دائما إلى نهب الأملاك وسلبها. وشجعهم على ذلك حال الفوضى والاضطراب الذي شهده الإقليم على إثر الاحتلال الفرنسي لمدينة وهران : عاصمة البايليك. 
18 يبدو من تقرير فرنسي بتاريخ جانفي 1832 أن عدد الذين التحقوا بالمقاومة كان يتراوح بين 1000 و 1500 نسم (...)
19 ألح "ابن العامري" على أعيان مستغانم وأرسل لهم عددا هاما من الرسائل يدعوهم فيها إلى المقاومة. وثائق (...)
52في أواخر سنة 1831، ظهر بعض التغيير على موقف الحضر، فهاجرت دفعة هامة18 منهم حي "المطمر" والتحقت بمزغران استجابة لدعوة الجهاد التي رفعها عامل السلطان المغربي "ابن العامري". فقد تمكن هذا الأخير من كسب مساندة أشراف إقليم مستغانم19 إلى جانبه، فراح يعمل على تنظيم المقاومة وإقرار الأمن والاستقرار بين القبائل. 


53كانت الدفعة الأولى من الحضر في مقدمة المجاهدين الذين كانوا يحاصرون المدينة ويهاجمون حاميتها العسكرية باستمرار. 
54و يبدو ذلك طبيعيا إذا أخذنا بعين الاعتبار عمق العداوة القائمة بينهم وبين الأتراك الذين رفضوا دعوة المقاومة والجهاد.
20 مهدت القوات العسكرية الفرنسية لهذا الاحتلال باستيلائها على ميناء "أرزيو" في 3 جوليا و على مزغران ال (...)
55أما الدفعة الثانية (550 نسمة) فأجبرت على إخلاء الحي على إثر الاحتلال العسكري للمدينة في 29 جويلية 183320. والتحقت بالأمير عبد القادر الذي وزعها على القبائل المجاورة مثل مجاهر وأولاد سيدي بو عبد الله. 


21 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1838 ص 66. وكان السبب الذي دفع الجنرال "دي ميشال" إلى طرد "الحضر" هو معا (...)
56أما القوات الفرنسية، فاستولت على مساكن الحضر وحولتها إلى مرافق عسكرية وثكنات يقيم بها الجيش21. 

1.3.4. البرانية 


57يعني البراني الرجل الذي يأتي إلى المدينة للعمل أو التجارة ثم يغادرها قبل غلق أبوابها في المساء، ويقابله "البلدي" الذي يقطن المدينة. 
58ويتألف "برانية" مستغانم من الجماعات البشرية التي كانت تقطن خارج الأسوار خاصة بحي تجديت. وكانت تتوزع حسب انتماءاتها القبلية والجغرافية في الحي، على شكل فرق وبطون يشرف عليها شيوخ يدعون بالأمناء. 
59يشكل "البرانية" خزانا بشريا لسوق العمل ومختلف الأنشطة التجارية والصناعية والأشغال العامة. يزيد عددهم أو يتقلص حسب متطلبات سوق العمل. يتكاثرون في فترات الانتعاش الاقتصادي ويتناقصون في فترات الركود. يعانون من الفقر عموما بسبب تعرضهم لاستغلال مزدوج : من قبل المؤسسة التركية التي كانت تشغل قسما هاما منهم في المطاحن والأعمال الأخرى ومن قبل التجار وأهل الحرف الذين كانوا يفرضون عليهم الأعمال الشاقة مقابل أجور زهيدة (الذباغة، معاصر الزيت، و العتالة ...) 
60بحكم اتصالهم الوثيق بالبادية و وضعيتهم الاجتماعية، كانوا يتجهون إلى معاضدة القبائل ومؤازرتها ضدّ سكان المدينة. التحقوا بالمقاومة منذ اندلاعها سنة 1831، فكانوا يساعدون المقاومين في إحكام الحصار على المدينة. وكانت الغارات الأولى على الأسوار تنطلق من حي تجديت وحي العرصة الذي استقرت به فرقة من بني عامر.
22 وثائق ولاية وهران. – جدول المؤسسات سنة 1838.
61لهذا السبب قرر "القايد بوشناق" تهديم الحيين بقصد تسهيل عمليات الدفاع عن مستغانم22 واضطر البرانية إلى الانتقال إلى القبائل والأرياف الأصلية لتدعيم صفوف المقاومة المناهضة للاحتلال. 

2. الريف والتراتب الاجتماعي 


62يعتبر إقليم مستغانم من أصغر "أغويات" بايليك الغرب يحده شرقا إقليم "الشرق" وغربا إقليم "غرابة". تشكل مساحته مستطيلا طوله 12 ميلا وعرضه 8 أميال. إلا أن أراضيه كانت أكثر خصوبة وإنتاجا. فقد جمعت بين الزراعة وتربية الماشية والخيل. 
23 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1839.
63يحتوي الإقليم على عدة قرى زراعية مثل مزغران - ماسرة - السور- يلل - عين بودينار اشتهرت بإنتاجها المتنوع : حبوب، خضر، عنب، قطن و بقر وغنم وخيول يتم تسويقها عبر مستغانم و وهران ومرسى الحجاج23. 


24 ل. رين. – مملكة الجزائر.- ص.59.
64تقطن الإقليم قبيلة "مجاهر" الشهيرة. كانت قبل 180824 مخزنية أي تقوم بالخدمة العسكرية لصالح البايليك مقابل إعفاءات ضريبية وامتيازات اجتماعية، لكنها تعرضت إلى القمع بسبب مؤازرتها لانتفاضة درقاوة فألغيت امتيازاتها وأضحت من الرعية تئن تحت الاستبداد العثماني. 


65إلى جانب هذه القبيلة، تعيش على أطراف الإقليم بطون من قبائل أخرى منها عشعاشة والحشم سيدي دحو، وعجيسة والرزايقية أدخلها الأمير عبد القادر ضمن آغوية مجاهر عملا بسياسته الإدارية التي كانت تهدف إلى توحيد القبائل في وجه الاستعمار الفرنسي. 
66في الريف، كانت العلاقات الاجتماعية قائمة على نظام الأنساب، وكان لهذه الأنساب - وهمية أو فعلية - دور هام في تعيين التراتب الاجتماعي. فالمجتمع الريفي، كانت تتصدره فئة الأعيان التي تتألف من الشرفاء والمرابطين. وقد تمكن عدد هام من هؤلاء من تكوين ثروات هامة بحكم نفوذهم الديني وموقعهم الاجتماعي.
67كل شيء في الريف (توزيع الأراضي، جمع الضرائب، تنظيم الإنتاج البت في المنازاعات وتنظيم العلاقات الأخرى) لا يتم إلا بهم "لا عصبية إلاّ بالرؤساء". فالسلطة كانت بأيدي الأعيان. فهم الذين يكونون "الجماعات" ويحتكرون قراراتها. وإذا التحقت القبائل في إقليم مستغانم بالمقاومة المسلحة، فذاك يعود إلى الدور البارز الذي لعبه الشرفاء والمرابطون الذين دعوا الناس إلى الجهاد على عهد الأمير عبد القادر وقبله. 


3. مستغانم في مواجهة الإحتلال الفرنسي 1830-1833


25 غادر حوالي 10000 نسمة المدينة وبقي بها الفرقة العسكرية التركية والجالية اليهودية والأقلية الاباضية. (...)
68على إثر احتلال مدينة الجزائر في 5 جولية 1830، ساد جو من القلق والاضطراب ببايليك الغرب إذ أبدى الباي "الحسن بن موسى" استعدادا واضحا للتعامل مع الجيش الفرنسي. عارضه في ذلك مجموعة من الأعيان والحاشية يتقدمهم "الخليفة" "البرصالي" الذي غادر المدينة بمعية الكراغلة وفرقة عسكرية متوجها إلى تلمسان والآغا "المازري" الذي حث السكان على مغادرة مدينة وهران إلى الأرياف المجاورة. وفي 27 ديسمبر 183025، احتل الجنرال "دامريمون" (Damremont) المدينة "دون أن يتكلم وجه واحد من البارود" فقرر الباي الحسن بن موسى إلى المشرق وتجريد الحامية التركية من السلاح. 

1.3. مستغانم فيما بين 1830 و1831 


69في أوائل ديسمبر 1830، عقد القائد للقوات الفرنسية في الجزائر – الجنرال "كلوزيل" معاهدة مع باي تونس تنص على تعيين أحد أفراد الأسرة الحسينية بايا على وهران، وفي 6 فبراير 1831، نصب الأمير أحمد بايا على وهران وخير الدين قائم مقامه (خليفته). 
70إن هذا الباي هو الذي عين "إبراهيم بوشناق" قايدا على مدينة مستغانم وباكير خوجه خليفته. كان القايد إبراهيم من البوسنة، تقلد عدة مناصب في وهران منها ضابط فرقة السبايحية ثم قايدا على بلدة وهران قبل أن يعين على مستغانم وأحوازها.
71وحين غادر قائم مقام الباي التونسي وهران لأن السلطة المركزية في باريس لم توافق على معاهدة "كلوزيل"، أبقاه المرشال دي فوداس "De Faudoas" في منصبه وأثبته في الخدمة الجنرال بوايه (Boyer) في ديسمبر 1831 حين خلف المرشال دي فوداس على قيادة القوات الفرنسية المرابطة بوهران. 
26 فسنان : الوثائق العسكرية : 1h11. في هذه العلبة توجد رسائل القايد إبراهيم الذي كان يوقعها بختم يحمل (...)
72كان القايد إبراهيم شخصية مغامرة، اتسم بعدائه للأعيان والأشراف، فكان يضرم نار العداوة التي قامت بين الحضر والكراغلة. وقد عارض انتشار حركة الجهاد إلى إقليم مستغانم إذ دعاه العامل المغربي "ابن العامري" إلى فتح أبواب المدينة والمشاركة في المقاومة. ولم يكتف برفض الدعوة بل كان يراسل القائد الفرنسي بوهران ويطلعه أسبوعيا على تحركات "ابن العامري" في الإقليم26 وحين طلب منه الشيخ محي الدين المشاركة في الجهاد رفض واستكبر كما رفض حين دعاه الأمير عبد القادر إلى البيعة. 


73ينبع هذا الموقف من موقعه السياسي والاجتماعي، إذا كان يعتقد أن انتمائه إلى فئة الأتراك التي تحتكر الوجاهة السياسية (الوظائف السامية) لا تسمح له بالنزول إلى مرتبة الحليف لمرابط بن مرابط "(أي الأمير عبد القادر). ولم يكن هذا الموقف فرديا بل كان موقف الجالية التركية والكراغلة ورجال المخزن الذين رفضوا المشاركة في المقاومة وتمسكوا بموقف العداء لبقية الرعايا. 
27 جدول المؤسسات الفرنسية سنة 1838.
74ظل القايد إبراهيم على موقفه إلى غاية نهاية المقاومة. فقد تحصن بالمدينة وأسوارها وقاوم محاولات فتحها إلى غاية شهر جولية 1833 حيث عزله الجنرال "دي ميشال" فنقل إلى وهران لقيادة "فرقة الأتراك" برتبة عقيد27، ثم عينه الجنرال كلوزيل في جانفي 1836 بايا على مستغانم فبقى في الخدمة مدة إلى أن تم عزله من جديد بعد معاهدة تافنة.


75كانت المحاولات الأولى لتنظيم المقاومة في الإقليم هي التي أشرف عليها العامل المغربي "ابن العامري" بمساعدة الأعيان والأشراف. اتصل "ابن العامري" على إثر قدومه إلى المقاطعة خلال مارس 1831 بأعيان "مجاهر" فاستجابوا لدعوة المقاومة والتحق بهم عدد من الحضر بمزغران. حينئذ، حاصرات "مجاهر" وأهل "مزغران" مدينة مستغانم وحاولا فتحها لتأديب الكراغلة والأتراك الذين تربطهم عداوة سابقة. 
28 الوثائق العسكرية – 1H10. كان الجنرال "بوايه" سابقا مستشارا عسكريا في مصر على عهد محمد علي. (...)
76لقد كان القايد "إبراهيم" على علاقة وطيدة بالجنرال "بوايه" في وهران. وكان هذا الأخير يشجعه على معارضة مشاريع ابن العامري والأعيان كما كان يحثه على حماية المدينة من غزوات "البدو". يقول في إحدى الرسائل التي وجهها له : "لقد عشت بين العرب خمسة عشر عاما، إني أعرف جيدا هذه القبائل العربية التي لا تحترم عهدا ولا تقيم قانونا. إنها تعيش على السلب والنهب ... فاحذر من مكرها ولا تغتر بوعودها"28. 


77كانت سياسة بوايه تعتمد على التفرقة بين القبائل حتى لا تجتمع كلمتها وتتحد مساعيها في وجه الاحتلال. وقد اعتمد على هذه السياسة لأنه كان يعتبرها أجدى من تنظيم الحملات العسكرية ضد القبائل التي كانت تحاصر الجيش الفرنسي في وهران وتمنع وصول المؤن إليها من بعض القبائل. إن الفراغ السياسي الناتج عن إفلاس السلطة العثمانية خلف تناقضات بين القبائل والأعيان. فعملية التوحيد لم تكن سهلة، كما لم يكن سهلا جمع الناس وتجنيدهم ضد الاحتلال الفرنسي : إن طبيعة المجتمع الموزع إلى قبائل حريصة على استقلال نفوذها وإلى أعيان وأشراف يتنافسون حول الزعامة وإلى فئات اجتماعية وشرائح متمسكة بامتيازاتها كل ذلك أخر حركة التوحيد وحال دونها مدة من الزمن. 
29 الوثائق العسكرية – 1H17.
78لقد استغل الجنرال بوايه هذا الوضع. يقول في تقرير له "أريد نشر الفوضى في البلاد .. لقد تمكنت بفضل المخبرين الطيعين وبفضل مراسلة منتظمة مع الجاليات التركية والكراغلة وبعض الأعيان من تفجير العداوة القائمة بين القبائل والمخزن وبين القبائل فيما بينها. فتارة أتصل بالزمالة والدواير لإثارتها ضد القبائل الأخرى، وكلما سعى محي الدين والمرابطون إلى جمع شمل القبائل وإطفاء نار الفتنة بينها، أقوم من بعدهم بتحطيم جهودهم فتعود الفوضى من جديد"29. 


79خلال هذه الفترة، تحصن سكان مدينة مستغانم – الجالية التركية والكراغلة والعائلات الحضرية التي لم تغادر المدينة – بأسوارها وقرروا الدفاع عن أملاكهم وحرمتهم من بطش القبائل المجاورة. إن العامل الذي دفعهم إلى التحالف رغم خلافاتهم التقليدية يتمثل في التناقض القائم بين الأرياف والمدن. فسكان المدن يعتبرون القبائل أقل شأنا منهم بسبب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. إن "الحضر" يرفضون فتح أبواب المدن التي يسكنونها في وجه أهل الريف أثناء الأزمات خوفا من تعرض ممتلكاتهم إلى النهب والسلب. أما سكان الريف، فيعتبرون سكان المدن سبب مشاكلهم، فالمدينة – باعتبارها مقر السلطة – تفرض استغلالا واضحا للأرياف. 

2.3. مستغانم فيما بين 1832 و1833 


30 بمقتضى المعاهدة، أصبح القايد إبراهيم يتقاضى مرتبا شهريا 186 فرنكا (100 سلطاني) وخليفته يتقاضى 50 فر (...)
80تدعمت علاقات الجنرال "بوايه" بالقايد "إبراهيم بوشناق"30 خلال جانفي 1832، زار القايد المذكور مدينة وهران وأبرم مع قائدها معاهدة تنص على تكفل الجيش الفرنسي بنفقات الحامية العسكرية بمستغانم، فيزودها باللباس و الدخائر ويدفع لها الرواتب وفي المقابل تستمر هذه الأخيرة في الدفاع عن المدينة وحمايتها من هجمات القبائل والعامل المغربي "ابن العامري" 


81واعتبر الجنرال بوايه هذه المعاهدة انتصارا لسياسته التي لا تكلف "إراقة دم جندي فرنسي واحد". فحاول تعميمها على الحامية التركية التي تحصنت بقلعة "المشور" في تلمسان ورفضت تسليمها للمجاهدين. 
31 الوثائق العسكرية 1 H13 : أيام 11، 12، 13، 14، 15 أفريل.
82منذ ذلك الوقت، تكررت هجمات "المجاهر" و"مزغران" على المدينة وفرضوا عليها حصارا شديدا. تؤكد الوثائق الفرنسية أن عدد هذه الهجمات بلغ خمسا خلال شهر أفريل 183231، لكن القايد إبراهيم تمكن من إفشالها بفضل قوة التحصينات والمساعدات العسكرية التي كانت تصله عن طريق البحر من وهران (بارود و دخائر بشكل خاص). 


32 المازري : ج2 ص91. – يعود ذلك إلى الضغوط التي كانت تفرضها فرنسا على سلطات المغرب وإلى المعاملة السيئ (...)
83* وفي ماي 1832، يضطر عامل المغرب "ابن العامري" إلى مغادرة الغرب الجزائري وبذلك تنهار الأطماع المغربية في ضم وهران32. 


33 نفس المصدر ص 93.
34 الوثائق العسكرية 1H17
35 المازري ج2 ص 94
84غادر العامل المغربي الإقليم وبدأ الفراغ السياسي يهدد الوضع "فقامت العرب على بعضها البعض في كل ناحية ومكان وعمت الفتنة وعظمت البلوى.. مدة من الزمان"33 وبلغ القلق في المقاطعة ذروته فاشتدت النزاعات بين القبائل وتقاتل الناس فيما بينهم لأبسط الأشياء. وكثرت أعمال النهب والسلب وظهرت الأمراض الفتاكة وغاب الأمن في المدن والطرق. ففي معسكر، انقسم السكان إلى ثلاث فرق تقاتلت فيما بينها34 وكادت الفوضى تفتك بالناس لولا تدخل الشيخ محي الدين : مقدم الطريقة القادرية وشيوخ الطرق الأخرى والعلماء. فانقذوا الموقف. يقول المازري : "فقام لإطفاء نارها العلماء والشرفاء والمرابطون سيما القطب الكبير سيدي محي الدين"35. 


36 الوثائق الفرنسية العسكرية 1H13
85تولى هذا ا

Admin
Admin

عدد المساهمات : 259
تاريخ التسجيل : 30/12/2013

http://mostaganem.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى